التقوى ومقياس التفاضل في الاسلام – الشيخ حسين إسماعيل

%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%ae-%d8%ad%d8%b3%d9%8a%d9%86-%d8%a5%d8%b3%d9%85%d8%a7%d8%b9%d9%8a%d9%84

التقوى ومقياس التفاضل في الاسلام

تحـدث الله تـعالى الى الناس في القرآن الكريم فقال  : ( يا أيـها الناس إنا خلقنـاكم مـن ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (١٣) ) “الحجرات ”  تتضمن هذه الآية الشريفة جملة من الموضوعات الهامة, والتي تتعلق بعلاقة الناس ببعضهم البعض، وكيف ينبغي ان تكون هذه العلاقة سليمة ومستقيمة وتحمل الجميع على فعل الخير والصلاح، ونتحدث عن هذه الموضوعات من خلال العناوين التالية :

انفتاح الاسلام على جميع الناس : 

تبدأ الآية الشريفة بتوجيه خطابها الى كل الناس دون استثناء, قال تعالى : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ) والمقصود بالذكر هنا آدم عليه السلام وهو الأب الاول لجميع البشر، كما ان المقصود بالأنثى في الآية هي حواء زوجة آدم صلوات الله عليها وهي الأم الأولى لجميع الناس، والله تعالى يشير من خلال هذه الآية الى أنه خلق جميع البشر على كثرتهم واختلافهم في اللون واللغة والأرض من أب واحد وأم واحدة.

ونسأل عن الحكمة من هذا الخطاب الرباني في الآية ؟ وعن الهدف من ذكره ؟ الإجابة باختصار: هو ان الله تعالى ضمن خطابه في الآية المتقدمة عدة أمور وهي : اولا : انه تعالى خلقهم من نسب واحد يبدأون به, رغم اختلافهم في الألوان واللغات والأرض، وفي ذلك دليل على عظمة الله تعالى في خلقه للبشر. ثانيا : ان الله تعالى يذكر الناس من خلال قوله : ( انا خلقناكم من ذكر وأنثى) بالرحمية المشتركة بين الناس على اختلافهم, والتي تعكس أخوة حقيقية بينهم حيث ينتسبون الى رحم واحد، وهذه الأخوة  تدعو الى رفض منطق التكبر والتعالي بين الناس وتدفعهم الى تحطيم الفوارق الطبقية التي تزرع الحواجز بين الانسان وأخيه الإنسان.

ونستوحي من هذا النداء الالهي في الآية المتقدمة أيضا ان الله تعالى أراد ان يكون دينه الاسلام  لكل الناس، ولا يختص نزوله باهل مكة او بالعرب او بالمسلمين بل هو رحمة منزلة لكل شعوب اهل الارض, نعم لا يستفيد من هذا الدين الا من التزم به وطبق تعاليمه عن عقيدة ثابته.

فالاسلام  إذا منفتح على كل المجتمعات غير الاسلامية في الدعوة الى الحوار والتعاون معها  من أجل  اصلاح الارض ونبذ الظلم وارساء مبدأ العدالة عليها , ولا شك أن هذا الأسلوب القرآني في الدعوة الى الانفتاح على غير المسلمين يشكل قوة للاسلام تجذب غير المسلمين الى طلب التعرف عليه والاطلاع على مفاهيمه السامية وقيمه الهادفة وتعاليمه المضيئة بشرط ان يحسن المسلمون التعبير والخطاب عنها.

الاسلام والدعوة الى التعارف بين شعوب الارض :

بعد ان ذكر الله تعالى بأن الناس يشتركون في النسب على اختلاف قومياتهم دعاهم الى التعارف فيما بينهم وإقامة أفضل العلاقات, قال تعالى : ( إن جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) أشار الله تعالى في هذا الشطر من الآية الى ان التقسيم الحاصل بين اهل الارض الى شعوب وقبائل انما تم بأمر من الله تعالى حيث ليس من الحكمة ان يكون كل اهل الارض شعبا واحدا فالتنوع والانقسام يشكل ثروة ومصدر غنى للجميع، كما نستوحي هنا ان الله تعالى لم يذم القوميات فيما اذا كانت سببا في شد أزر الناس الى بعضهم البعض دون ان تطغى على القيم الانسانية والتعاليم الربانية، ومن هنا نجد ان رسول الله لم يدعو الى التنكر للانساب، بل دعى الى المحافظة عليها تحت عنوان الرحمية، الا انه رفض العصبيات المدمرة.

وأخبر الله تعالى بقوله : ( لتعارفوا ) أنه أراد من الشعوب البشرية وقبائلها ان تتعرف على بعضها البعض بهدف التعاون على إصلاح هذه الارض، كما أن الله تعالى لم يقيد التعارف في الآية باي نحو من الأنحاء فيكون تعارفا اقتصاديا أوسياسيا أودينيا فقط بل هو تعارف يشمل كل النواحي الحياتية ويغني الجميع، ثم ان اهل الارض يحتاجون الى هذا التعارف حيث وزع الله تعالى في الارض أقوات وحاجات البشر. ويشكل هذا التعارف جسرا لنشر رسالة الاسلام وتعريف المجتمعات الاخرى عليه, وهذا اهم اهداف التعارف.

الاسلام يرفض العصبيات القبائلية والشعبية :

تقدم ان الله تعالى دعى الى التعارف بين شعوب اهل الارض والى إيجاد أفضل العلاقات فيما بينهم، لكنه تعالى رفض بالمقابل ان تتحول العلاقات القبائلية والشعبية  الى ميزان في التفاضل بين الناس  جميعا ، بل لا بد وان تكون هذه العلاقات محكومة للقيم التي هي اساس التفاضل بين الناس والتي هي قيم التقوى التي سنتحدث عنها فيما يأتي, كما أن العالم لن يعرف الاستقرار الا اذا نبذت شعوبه العصبيات على كافة أشكالها والتزمت القيم الاخلاقية والإيمانية، فالعرب لم يستطيعوا ان ينهضوا في بناء مجتمعهم الا لما تخلو عن العصبيات العشائرية، وهذا التخلي كان بفضل الاسلام وبفضل القيم التي جاهد النبي صلى الله عليه واله وسلم من اجل نشرها.

وورد عن الرسول الاكرم احاديث كثيرة في نبذ العصبيات القبائلية وخاطب بها الناس في أكثر من مناسبة، فقد جاء في آداب النفوس للطبري أن النبي صلى الله عليه واله التفت الى الناس, وهو راكب على بعيره في ايام التشريق بمنى وهي اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة فقال : ( يأيها الناس، الا ان ربكم واحد وان أباكم واحد، الا لافضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود الا بالتقوى، الا هل بلغت ! قالوا نعم ، قال : ليبلغ الشاهد الغائب ) “الأمثل نقلا عن القرطبي ج ٩ تفسير الحجرات” المتأمل في هذا الحديث يلحظ شدة اهتمام النبي صلى الله عليه واله وسلم في الدعوة الى إلغاء العصبية واستبدالها بمقياس آخر وهو مقياس التقوى والطاعة لله. وورد عن النبي صلى الله عليه واله وسلم حديثا آخر يقول فيه : ( ان الله لا ينظر الى أحسابكم، ولا الى أنسابكم، ولا الى أجسامكم، ولا الى أموالكم، ولكن ينظر الى قلوبكم، فمن كان له قلب صالح تحنن الله عليه، وإنما انتم بنو أدم وأحبكم اليه اتقاكم) ”  المصدر السابق “

 مقياس التفاضل في الاسلام واحد ويشمل الأنبياء والمعصومين  :

تشير خاتمة الآية : ( إن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير )  الى حقيقة وهي ان مقياس التفاضل في الاسلام هو التقوى وهو مقياس شامل لجميع العباد, ولا يستثني احد منهم بما فيهم الأنبياء والاوصياء صلوات الله عليهم، والدرجات التي حازوا عليها عند الله انما حازوها بفضل تقواهم واخلاصهم وحرصهم على صفاء إيمانهم وطاعتهم لله تعالى، وليس هناك أي مقياس آخر، ثم ان المتقين يوجد بينهم تفاضل على اختلاف مقاماتهم لان تقوى الله درجات متفاوتة وكلما حاز المؤمن درجات أكثر كلما تقدم في الفضيلة على غيره.

والتفاضل هنا يشمل الأنبياء والاوصياء صلوات الله عليهم وهم درجات متفاوتة في تقوى الله تعالى, ولا يعني ذلك ان البعض منهم يقع في المعاصي بل هم جميعا منزهون عن ارتكاب المعاصي صغيرها وكبيرها, لكن المقصود بالتفاضل هنا هو التفاضل في ترك المكروهات وفعل المستحبات التي هي مشمولة لمفهوم التقوى في أعمق معانيها، بالاضافة الى التفاضل بينهم في درجات اليقين بالله تعالى والصبر على النوائب.

ثم انه من المستحسن عدم الدخول في موضوع التفاضل بين الأنبياء والاوصياء عليهم السلام لانه ليس من احد من هو مطلع على درجات الإخلاص واليقين لديهم او هو محيط بتفاصيل حياتهم في صبرهم على البلاء والمصائب التي كانوا يتعرضون لها، وإذا تم الدخول في موضوع التفاضل بين الأنبياء انفسهم او بينهم وبين الأوصياء فليكن من خلال الاعتماد على نص قرآني واضح او حديث صحيح السند وواضح المتن، لكي لا يقع الداخل في هذا الموضوع في بخس احد من الأنبياء والاوصياء صلوات الله عليهم، وخاصة انه لا يستطيع أحد كما ذكرنا ان يطلع على بواطن الأنبياء والاوصياء ويعرف الدرجات التي تفاوتوا بها في يقينهم واخلاصهم الا الله تعالى، بل ان الدخول في التفاضل بينهم فيه مخاطرة كبرى لانه غالبا ما يتضمن ذم وتنقيص حيث التفضيل مدح وثناء للفاضل وقد يدفع هذا التفضيل البعض الى الذم والقَدْح في المفضول، وهذا فيه تجرؤ على الله تعالى وأنبيائه، وهو خلاف الأدب الواجب اثناء الحديث عنهم، فلذا الاحتياط يقتضي الابتعاد عن هذه المواطن. فالله هو المفاضل بين الانبياء والاوصياء وليس البشر (إن الله عليم )بدرجات تقواهم (خبير) بمستوى إخلاصهم ويقينهم.

ولا يخفى ان هناك روايات نسبت لأهل البيت في إطار المفاضلة بينهم وبين غيرهم من الأنبياء وخاصة من أولي العزم صلوات الله على الجميع, وهي لا تصلح للاعتماد عليها كونها ضعيفة السند ومن وضع الغلاة، وأهل البيت صلوات ربي عليهم اجمعين، ليس ادل على فضلهم وعلو منزلتهم عند الله من القرآن الكريم وما نزل في شأنهم من سور وايات محكمات ، كسورة الدهر الشريفة وآية التطهير وآية المودة وآية الولاية وآية المباهلة وغير ذلك من الايآت، فإنها تحتوي على إشارات هامة في الدلالة على عظيم منزلتهم عند الله تعالى ورفيع درجتهم.

ونؤكد انه ليس هناك من مقاييس أخرى عند الله غير تقواه، لذا من الغلو في العقيدة اعتماد غير التقوى في المفاضلة بين الأنبياء والاوصياء، ونورد هنا بعض الأحاديث الواردة حول التاكيد على ان التفاضل بالتقوى، ففي عيون الاخبار بإسناده الى محمد بن موسى بن نصر الرازي قال: سمعت أبي يقول : قال رجل للرضا عليه السلام : والله، ما على وجه الارض أشرف منك أبا وجدا، فقال عليه السلام : ( التقوى شرفتهم وطاعة الله أحظتهم ) فقال له آخر : أنت والله خير الناس، فقال عليه السلام  له : ( لا تحلف، ياهذا خير مني من كان أتقى لله تعالى وأطوع له، والله ما نسخت هذه الآية : ” وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ” ) ” تفسير كنز الدقائق ج ١٢ ص ٣٤٠ ” .

التقوى والابتعاد عن مواطن المعاصي :

ان حقيقة التقوى تعني الابتعاد عن كل ما يؤدي الى غضب الله والابتعاد عن رضاه، ومن هنا فالإنسان المؤمن يتقي غضب الله ويحرص على نيل رضاه من خلال الالتزام بأوامره تعالى والابتعاد عن نواهيه، وتحدث الله تعالى عن التقوى في كثير من الايات كاشفا عما لها من خصائص، وهذه بعض الايات التي تتحدث عن التقوى : منها قوله تعالى : ( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ) ” البقرة ١٩٧ ” فالتقوى خير زاد يأخذه معه الانسان الى الآخرة ويستعين به لمواجهة أهوالها. وقال تعالى : ( هو أهل التقوى وأهل المغفرة ) ” المدثر ٥٦ ”  فمن حق الله على الانسان ان يتقي الله ولا يعصيه، والله تعالى يكافئ المتقي بالمغفرة والتوبة.

وقال تعالى: (أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ) ” الحجرات ٣ ” التقوى تبدأ في القلب وبعد ذلك تشق طريقها الى العمل . وقال تعالى أيضا : ( ونفس وما سواها فألهمها (٧) فجورها وتقواها (٨) قد أفلح من ذكاها (٩) وقد خاب من دَسَّاهَا (١٠) ) ” الشمس ” فالنفس البشرية لديها قابلية التقوى وقابلية الفجور الا ان لكل من التقوى والفجور اسباب وعلل فمن تمسك بالطرق المؤدية الى التقوى يصل اليها ومن انحرف عنها يقع في الفجور. وورد عن الامام علي عليه السلام كلمات في التقوى في غاية الأهمية لكونها تكشف عن حقيقتها وأسرارها، فقد جاء في نهج البلاغة أنه قال : ( اعلموا عباد الله أن التقوى دار حصن عزيز والفجور دار حصن ذليل لا يمنع أهله ولا يحرز من لجأ إليه وبالتقوى تقطع حمة الخطايا ) ” نهج البلاغة الخطبة ١٧٥ ” التقوى حصن لصاحبها من الوقوع في المخاطر والمهالك دنيا وآخرة.

 

طباعة