في رحاب قوله تعالى: (… وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله…) سورة التوبة آية ٧٤. – الشيخ حسين إسماعيل

%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%ae-%d8%ad%d8%b3%d9%8a%d9%86-%d8%a5%d8%b3%d9%85%d8%a7%d8%b9%d9%8a%d9%84

 

في رحاب قوله تعالى: (… وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله…) سورة التوبة آية ٧٤.

نزل قوله تعالى المتقدم وهو جزء من آية من آيات سورة التوبة، وقد تضمنت هذه الآية جملة من الردود على المنافقين الذين تآمروا على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فأساؤوا إليه بأقوالهم وخططوا لقتله،  وقوله تعالى : (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ) هو من ضمن ردود الآية الشريفة، والمقصود به التوبيخ والذم للمنافقين، أنكم كيف تقابلون إحسان النبي إليكم وإغنائه لكم بالإساءة إليه، وما ظهر منكم هو خلاف ما دعت إليه القيم والمبادئ الأخلاقية من الدعوة الى مقابلة الاحسان بالإحسان وليس الإساءة، ونسأل اكيف حصل إغناء  النبي للمنافقين ؟ ، فنقول في الإجابة :

قد ذهب المفسرون الى أن المقصود بالإغناء في الآية هو الإغناء المادي والمعيشي، حيث كان المنافقون فقراء، وتحسنت أوضاعهم المعيشية بسبب ما كانوا يحصلون عليه من النبي من دعم مادي، مما كان يقدمه لهم من الغنائم، والله تعالى ذمهم كيف ينقمون من النبي الذي قدم لهم ما يغنيهم، ويجعل أوضاعهم المادية والمعيشية تتحسن، أليس من حق النبي أن يكرموه ويحفظوا حياته، لكنهم فعلوا العكس لخبث سرائرهم، والى ذلك ذهب صاحب مجمع البيان، والميزان، والأمثل، وشبر، والمبين، وأورد تفسير العياشي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام تتضمن هذا التفسير، ونذكر أقوال الجميع على النحو التالي:

1- قال المفسر الطبرسي  في مجمع البيان: (﴿وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله﴾ معناه أنهم عملوا بضد الواجب فجعلوا موضع شكر النعمة أن نقموها وبيانه أنهم نقموا فيما ليس بموضع للنقمة فإنه لم يكن للمسلمين ذنب ينقمونه منهم بل الله تعالى أباح لهم الغنائم وأغناهم بذلك فقابلوا النعمة بالكفران وكان من حقهم أن يقابلوها بالشكر(.

2- قال السيد محمد حسين الطبطبائي في الميزان: ((وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله﴾ أي بسبب أن أغناهم الله ورسوله، أي كان سبب نقمتهم هذه أن الله أغناهم من فضله بما رزقهم من الغنائم وبسط عليهم الأمن والرفاهية فمكنهم من توليد الثروة وإنماء المال من كل جهة، وكذا رسوله حيث هداهم إلى عيشة صالحة تفتح عليهم أبواب بركات السماء والأرض، وقسم بينهم الغنائم وبسط عليهم العدل. فهو من قبيل وضع الشيء موضع ضده: وضع فيه الإغناء وهو بحسب الطبع سبب للرضى والشكر موضع سبب النقمة والسخطة كالظلم والغضب وإن شئت قلت: وضع فيه الإحسان موضع الإساءة، ففيه نوع من التهكم المشوب بالذم ).

3- قال السيد عبد الله شبر في تفسيره في سورة التوبة في تفسير الآية: (﴿وَمَا نَقَمُواْ﴾ ما أنكروا ﴿إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ بالغنائم بعد فقرهم وحاجتهم أي لم يصبهم منه إلا هذا وليس مما ينقم ).

4- قال العلامة محمد جواد مغنية في تفسيره المبين في سورة التوبة في تفسير الآية : (﴿وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾: ضمير نقموا وأغناهم يعود لبعض المنافقين، والمعنى أن هؤلاء الذين يدبرون الحبائل لرسول الله كانوا فقراء فصاروا أغنياء من الغنائم وعطاء الرسول، فجعلوا موضع الشكر لهذه النعمة كفرانها).

5- جاء في تفسير العياشي في تفسير الآية فقد أورد حديثا عن الإمام الصادق عليه السلام جاء فيه : ( فقال النبي صلى الله عليه وآله: (بسم الله الرحمن الرحيم يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد اسلامهم وهموا بك يا محمد ليلة العقبة وما نقموا الا ان أغناهم الله من فضله) كان أحدهم يبيع الرؤوس وآخر يبيع الكراع ويفتل القرامل فأغناهم الله برسوله، ثم جعلوا حدهم وحديدهم عليه).

شرح بعض مفردات الحديث : (الكراع من الدابة) : مستدق الساق وقيل: الكراع من الدواب ما دون الكعب ومن الانسان ما دون الركبة و(القرامل) : ما تشد المرأة في شعرها من الخيوط.

العطف في الآية وذكر أبرز مصاديق فضل الله

  جيء بواو العطف في قوله تعالى : (إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ) ، للإشارة الى أن  إغناء الله تعالى للمنافقين له مصاديق متعددة، ولكن أبرزها بعثة النبي التي هي من فضل الله الذي أنعم به على الناس، فتحدث الله اولا عن إغنائه للمنافقين بشكل عام ثم عطف إغناء الرسول عليه تعالى للدلالة على أن إغناء الرسول هو إغناء الله تعالى، حيث قد استفاد المنافقون من النبي من خلال عطائه لهم من الغنائم ، والتي كانت سببا في تحسين أوضاعهم المادية والمعيشية، وكان عطاؤه لهم بأمر من الله .

   ثم إنه مما يدل على أن صاحب الإغناء هو الله تعالى، هو إفراد الضمير في قوله تعالى : (من فضله )، وهو يعود الى الله تعالى وليس الى النبي، وذلك للتأكيد على أن عطاء الرسول إنما كان من فضل الله، وإنما دور النبي أن يكون ناقلا و مؤتمنا على هذا الفضل، وذهب إلى القول بعودة الضمير الى الله الطبرسي  في مجمع البيان والطبطبائي في الميزان وناصر مكارم في الأمثل في الهامش وغيرهم، لذا لم يقل تعالى في الآية (من فضلهما)، ونذكر أقوال هؤلاء المفسرين على النحو التالي :

1- قال الطبرسي في مجمع البيان: (وإنما لم يقل من فضلهما لأنه لا يجمع بين اسم الله واسم غيره في الكناية تعظيما لله ولذلك قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) لمن سمعه يقول من أطاع الله ورسوله فقد اهتدى ومن عصاهما فقد غوى بئس خطيب القوم أنت فقال كيف أقول يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال قل ومن يعص الله ورسوله وهكذا القول في قوله سبحانه ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ وقيل إنما لم يقل من فضلهما لأن فضل الله سبحانه منه وفضل رسول الله من فضل الله).

2- قال الطبطبائي في الميزان: (والضمير في قوله: ﴿من فضله﴾ راجع إلى الله سبحانه، قال في المجمع،: وإنما لم يقل: من فضلهما لأنه لا يجمع بين اسم الله واسم غيره في الكناية تعظيما لله، ولذلك قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لمن سمعه يقول: ﴿من أطاع الله ورسوله فقد اهتدى ومن عصاهما فقد غوى﴾ بئس خطيب القوم أنت فقال: كيف أقول يا رسول الله؟ قال: قل: ومن يعص الله ورسوله، وهكذا القول في قوله سبحانه: ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ وقيل: إنما لم يقل من فضلهما لأن فضل الله منه وفضل رسوله من فضله، انتهى كلامه) .

3- ذكر في هامش تفسير الأمثل : (ممّا يستحق الانتباه أن الجملة  أعلاه  بالرغم من أنّها تتحدث عن فضل الله ورسوله، إلاّ أن الضمير في (من فضله) جاء مفرداً لا مثنى، والسبب في ذلك هو ما ذكرناه قبل عدة آيات من أن أمثال هذه التعبيرات لأجل إثبات حقيقة التوحيد، وأن كل الأعمال بيد الله سبحانه، وأنّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا ما عمل عملاً فهو بأمر الله سبحانه، ولا ينعزل عن إرادته سبحانه.). ثم إن ما يؤكد صوابية هذه التفاسير  للإغناء في الآية هو أن الآية الشريفة تشير الى أحداث قد حصلت بين النبي والمنافقين ومضت، والآية نزلت في معرض الحديث عنها والدعوة للاستفادة منها.

طباعة