في رحاب قوله تعالى : (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني ) – الشيخ حسين إسماعيل

%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%ae-%d8%ad%d8%b3%d9%8a%d9%86-%d8%a5%d8%b3%d9%85%d8%a7%d8%b9%d9%8a%d9%84

 

في رحاب قوله تعالى : (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني… ) المائدة ١١٠

 ما من نبي أرسله الله تعالى الا وجعل له معجزة تشهد له بأنه مرسل من عند الله، والمعجزة ما يعجز البشر عن فعله بما فيه نفس الأنبياء، حتى تدل هذه المعجزة على أنها من صنع الله وحده، وليس من صنع غيره، فالله تعالى جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم لما رماه فيها النمرود، وكان ذلك بقدرة الله وحده، وعصا موسى كانت تتحول الى أفعى مرعبة حتى خاف منها موسى نفسه، وهكذا كل المعاجز، ثم إن الله تعالى لا يعطي المعجزة لمن يدعي النبوة كذبا، وإلا لو كان كذلك لكان هذا إغراء من الله للناس باتباع أدعياء النبوة كذبا، وهو لا يصح على الله لان ذلك قبيح، والله منزه عن فعله.

 

والآية المتقدمة (وإذ تَخلق من الطين كهيئة الطير بإذني ) تدل على حصول سلسلة معاجز لنبي الله عيسى عليه السلام، وذكرت منها معجزة خلق الطير من الطين، ومعجزة إحياء الموتى، ومعجزة إبراء الأكْمَه والأبرص، ووقع الكلام حول معجزة خلق الطير، فهل تدل الآية على أن عيسى كان قد صدر منه خلق الطير، حتى يمكن الإستفادة بأنه يمكن لغير الله أن يخلق خلقا من العدم ؟ في الواقع ليس في الآية ما يدل على أن عيسى هو من خلق الطير، وقوله تعالى :
وإذ تَخلق من الطين كهيئة الطير ) لا يدل على ذلك ، وعيسى عليه السلام في الآية لم يخلق الطير بل خلق كهيئة الطير، وهيئة الطير ليست طيرا والمقصود بها أن عيسى رسم صورة الطير على الطين، حيث جمع عيسى الناس من حوله، وقال لهم بأنه رسول الله إليهم وحجته على ذلك أنه سيجعل الله له معاجز ، منها إنه عليه السلام سيدعو الله أن يخلق له طيرا حقيقيا لا ينقصه شيئا، وهو لا يكون الا بقدرة الله فقام عيسى ورسم صورة الطير على الطين، ثم نفخ في هذه الصورة، وهذا العمل منه هو، إنما لتوجيه أنظار الناس الى هذه المعجزة التي ستكون حجه على نبوته، وبعد دعاء وطلب عيسى من الله ذلك استجاب الله له، وكانت الصورة طيرا حقيقيا بقدرة الله، وهذا يعني أن الذي خلق الطير هو الله تعالى، وليس عيسى عليه السلام.

 

ونعود الى الآية فإنه تعالى خاطب عيسى وقال له : ( وإذ تَخلق ) يا عيسى ( من الطين كهيئة الطير ) فتجعل من الطين ما يشبه الطير، وهذا العمل كل إنسان قادر عليه، أن يصور في الطين أشكال، والى هنا لم تحصل المعجزة، ثم قال تعالى : ( فتنفخ ) يا عيسى ( فيها ) أي تنفخ في هذا الطين الذي جعلته يشبه الطير، والى هنا لم تحصل معجزة خلق الطير، ثم قال تعالى بعد ذلك : ( فتكون ) صورة الطير في الطين ( طيرا ) حقيقيا كباقي الطيور، لحما وعظما ودماء تجري في عروقه وريشا، ويطير في الفضاء كغيره من الطيور، وذلك التكوين للطير كان ( بإذني ) بإرادتي أي بإرادة الله، ونلاحظ كيف اختلفت الضمائر من ضمير المخاطب لعيسى ( تَخلق ) و ( تنفخ ) الى ضمير المتكلم المقدر والخاص بالله ( بإذني ) أي بإذني أنا، ولو كان عيسى هو الخالق، لما اختلفت الضمائر، ولقال تعالى بإذنك أي إرادتك، على قاعدة أني أردت لك يا عيسى أن تقول للشيء كن فيكون، ولكن هذا لم يحصل.

 

والله تعالى نسب خلق الطير لإرادته، وليس ذلك الا لاختصاص ولاية الخلق والتكوين وانحصارها بالله، وهذا تطبيق لمفهوم التكوين الخاص بالله تعالى، الذي دل عليه قوله تعالى : ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) وأمره تعالى هو شأنه الخاص به ، وهو أمر الإرادة، والمقصود بأمره في قوله تعالى: ( إنما أمره) هو إرادة الخلق والتكوين ، ودل عليه الجزء الاخر المكمل للآية : ( إذا أراد شيئا ) أن يوجد بعد العدم ( أن يقول له ) تعالى ( كن ) موجودا ( فيكون) موجودا، وحتى أنه تعالى في الإرادة التكوينية لا يحتاج الى الكاف والنون، وهما تعبير مجازي للدلالة على أنه يكفي ليخلق الله تعالى خلقا أن تتعلق ارادته بالمراد، ومن دون واسطة، وهذا الذي حصل مع الطائر المعجزة للمسيح، الذي كان أولا صورة طير مرسومة على الطين، فتعلقت بها إرادة الله، وهي إرادة الخلق، فكانت الصورة طيرا حقيقيا بقدرة الله وارادته، وليس في الآية أي دلالة على جعل الله لعيسى يخلق.

 

ثم إن المعاجز والآيات تحصل بإذن الله والباء هنا في قوله تعالى : (فتكون طيرا بإذني) كما في سورة المائدة، أو ( بإذن الله ) كما في سورة آل عمران، هي باء السببية، وهي إحدى معاني الباء ، حيث أن الباء في اللغة العربية لها عدة معاني، منها أنها تأتي للإلصاق، كقولك : (مررت بزيد ) أي مررت ملتصقا به ، وتأتي الباء أيضا للاستعانة كقولك ( بسم الله ) أي أستعين بالله ، وتأتي الباء أيضا للتعليل ، وهي تعرف بباء السببية، كقوله تعالى : ( فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ) المائدة ١٣، أي لعنهم الله بسبب نقضهم ميثاقهم، فنقض الميثاق هو علة لصدور اللعن من الله الذي هو المعلول ، والباء في قوله تعالى : ( فيكون طيرا بإذني) هي باء السببية، وعليه يكون المعنى أنه بإرادتي التكوينية وهي علة الخلق والتكوين خلقت طيرا ليكون معجزة لرسولي عيسى بن مريم ، وعليه فإرادة الله التكوينية هي لتكوين كل عوالم الخلق والوجود التي لا يشاركه تعالى أحد فيها.

طباعة