الإمام الحسين (ع) مصباح الهدى وسفينة النجاة – الإمام السيد موسى الصدر

%d9%85%d9%88%d8%b3%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%af%d8%b1

الإمام الحسين (ع) مصباح الهدى وسفينة النجاة – الإمام السيد موسى الصدر*

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليك يا ابا عبد الله الحسين وعلى الارواح التي حلت بفنائك. عليك مني سلام الله ابدًا ما بقيت وبقي الليل والنهار. ولا جعله الله آخر العهد منا لزيارتك. السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين، وعلى اولاد الحسين، وعلى اصحاب الحسين. يقول رسول الله (ص) “حسين مصباح الهدى وسفينة النجاة”. اما سفينة النجاة، فالحسين من اهل البيت الذين هم احد الثقلين اللذين تركهما رسول الله (ص) لأمته قائلًا: “مثل اهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق”. ولكن للحسين اختصاصًا يريد ان يشبه طريق الهداية بأنه طريق مظلم ويحتاج الى سراج ونور، والحسين ذلك السراج وذلك النور. معناه واضح؛ ولكن احاول في هذا اليوم المبارك الذي يجمعنا بأجسادنا وبقلوبنا في هذا المكان الرحب الضيق بوجود المخلصين من موالي الحسين (ع)، يتحملون مشقة طول المجلس وضيق المكان لكي يشتركوا في تعظيم هذه الشعيرة المباركة. اغتنم هذه الفرصة لكي اطبق هذا المعنى الواضح على حياتنا العادية، لكي نرى ما معنى مصداقية الحسين للهدى ومعنى انارة الحسين للطريق.

اذكر لكم مقدمة صغيرة، الانسان بحسب طبعه يتعود ويتعمق في سِيره، كلما تعمق، فالعمل الصالح او العمل الطالح حينما يصدر عن الانسان لأول مرة يكون صعبًا ومنافيًا لعادته، يأخذ جهدًا ويحمل صعوبة، ولكن نفس العمل للمرة الثانية يكون اسهل، وللمرة الثالثة يكون اسهل بكثير. وهكذا يتعود الناس على هذا العمل الصالح او الطالح، وحينئذ، يصبح جزءًا من حياة الانسان من الصعب تركه.

المثل العادي، السيارة حينما تنزل من مكان مرتفع… فأنتم تعلمون ان السيارة حينما تبدأ بالنزول من المكان المرتفع، في اللحظات الاولى تمشي بهدوء وايقافها سهل؛ ولكن كلما مشت وانطلقت تسرع وتقوى على السير والمشي والاسراع، فيكون ايقافها اصعب بكثير حتى تصل السيارة، نتيجة لمواصلة السير وكثرة السرعة الى درجة من المستحيل ايقافها، واذا حاول السائق ان يوقفها تتدهور وتشكل الخطر الكبير كما تعلمون، ولعلكم جربتم هذه الحالة.

هذا المثل الصغير الواضح يعطينا فكرة عن كيفية حياتنا العادية، فالانسان امام اي عمل من الاعمال وامام اي خير او شر، حينما يرتكب للمرة الاولى هذا العمل يجد ان هذا العمل صعب عليه، ولكن بالتدريج يسهل ويصبح جزءًا من حياته، ومن عاداته. ولعل الكثير منا حينما بدأ اول مرة بشرب الدخان كان يتثاقل من شربه فيكرهه ويشعر بالمرارة، ولكن بالتدريج اصبح هذا الموجود المضر الخطر المر جزءًا لا ينفك من عاداتنا ومن حياتنا.

العادة والتعود امر طبيعي ملموس امام حياة الانسان؛ ومثال هندسي في الموضوع، كما يقولون، ان الانسان حينما يسلك خطًا، اذا انحرف بمقدار قليل، بمقدار خطوة عن هذا الخط المستقيم، طبعًا ينحرف. يبتعد في اللحظات الاولى خطوات عن الطريق المستقيم الصحيح، ولكن كلما سلك الخط المنحرف يبتعد عن الخط المستقيم اكثر. أليس مثلًا واضحًا هذا؟ الانسان عندما يسلك اذا انحرف في اللحظات الاولى، هو بعده عن الطريق الصحيح كم خطوة؟ في الدقائق الاولى وفي الساعة الاولى افرض كيلومترًا او اربعة او خمسة او ستة او عشرين، ولكنه اذا سلك طريق الانحراف مدة عشر ساعات او مدة نهار يصبح بعيدًا عن الطريق الصحيح مسافات هائلة، وحينئذٍ عودته الى الطريق الصحيح صعبة جدًا. هذه طبيعة الحياة التي نعيشها؛ كل واحد منا يعيشها.

هنا يأتي دور الهداية للواعظ والموجه والخطيب. فلعل الكثيرين منا حينما يرتكبون بعض الاعمال وبعض المعاصي، الكثير منّا حينما يقف امام حق صغير او يتنكر لحق صغير يجد نفسه غير مذنب. لماذا؟ لأنه يقول ما ذنبي؟ انا اتيت معصية صغيرة. انا حرمت انسانًا من حقه الذي يعادل ليرة مثلًا؛ انا ظلمت فلانًا بمسبة او بإهانة صغيرة. ولكن حينما يمتد هذا العمل ويتفاعل هذا مع الانسان ويستمر الانسان في هذا الخط، اذا انتبهنا الى الاصلي الاولي نجد الخطورة والصعوبة البالغة.

اليوم، انا اتنكر لحق صغير. مثلًا ، لفلان بذمتي ليرة انكرها، لفلان عندي وفي ارضي نصف دونم او عشرة امتار انكرها، واقول هذا شيء بسيط؛ ولكن هذا الشيء البسيط، حينما حصلتُ عليه حينما ارتكبتُ هذا الخطأ، هذا الانحراف الجزئي في بدايته، يصبح من السهل في اللحظة التالية ارتكاب ظلم اعظم، اي مثل السيارة التي تسرع كلما مشت. انا في المرة الاولى اخذت عشرة امتار من ارض الغير، في المرة الثانية آخذ خمسة عشر مترًا وفي الثالثة دونمًا او هكتارًا وهكذا… ان انفعل بعادتي وبسيري حتى ما شاء الله.

انا حين ارتكب بعض هذه المعاصي لا انتبه الى نتائجها والى اين سوف اصل. لكن الموجه العاقل، مصباح الهدى يتمكن ان يرى نتيجة هذا الخط؛ وان هذا الانحراف الذي بدأ اليوم بخطوة او بعشرة امتار او بدونم من الارض، غدًا يصبح مئات وملايين وقتل وسفك واشياء كثيرة.

هنا يأتي دور القائد او دور الموجه او دور مصباح الهدى. وهكذا الظلم والجريمة واغتصاب حق الآخرين ليس بالعمل الايجابي، ليس فقط بأن آخذ مال الناس من دون حق وآكل اموال الناس بالباطل، ليس فقط بضرب احد او اهانة احد او بإنكار احد، ليس فقط بشهادة الزور، ليس فقط بإعطاء الشيء لغير المستحق، بل الظلم ايضًا يحصل بالسكوت عن الحق. كما سمعتم، الساكت عن الحق شيطان اخرس. الذي يقف امام الظلم وبسكوته يترك المجال للظالم ان يغلب. هذا في الحقيقة نوع آخر من تأييد الظلم ومن مسايرة الظالم ومن خذلان المظلوم. هذان النوعان الايجابي والسلبي في حياة الامم، ربما، لا تبرز ربما لا يبرزان بشكل واضح، ولكن هناك احداث تكشف هذه الحقيقة بشكل واضح.

نرجع الى واقعة كربلاء وخروج الحسين سلام الله عليه مصباح الهدى حتى نرى كيف انار الحسين الطريق حتى عرف الناس حقيقتهم هم. انتم تعرفون ان الحسين قتل، واهل بيته سُبيوا، واصحابه واولاده واخوته قتلوا.. انتم تعلمون انه ارتكبت في كربلاء افظع جريمة واشد مكيدة، واشد ما يمكن ان يرتكبه الظالم. ظلم يوم كربلاء لا يعادله ظلم. ولكن من عمل؟ اي شخص ارتكب الظلم؟

هناك من امر وهو “يزيد”، وهناك من كان اميرًا وقائدًا وهو “ابن زياد”، وهناك من قاد جيشًا وجاء بهم الى كربلاء وهو “عمر بن سعد”، وهناك من نفَّذ ورمى بالسهم او بالحجارة او قتل الحسين مباشرة وهو “الشمر” وانصاره وجماعة كربلاء.

ولكن السؤال، هل كان من الممكن ان يقتل الحسين بالشكل الذي قتل فيه ويبقى في الميدان “ابن زياد” و”يزيد” و”عمر بن سعد” و”الشمر بن ذي الجوشن” وكم واحد من هذا النوع؟ لو كان هؤلاء عشرين او خمسين، أكانوا يتمكنون ان يرتكبوا هذه الجريمة؟ حتمًا لا.

فإذًا، كيف تمكنوا من ارتكاب هذه الجريمة؟ تمكنوا بأمر الآمر وتنفيذ المنفذ وتأييد المؤيد وسكوت الساكت. يعني نتمكن ان نقولها… تلك الامة قد اجمعت على قتل الحسين، الامة بأجمعها؛ بقولها وفعلها وسكوتها ورضاها وصمتها وسماعها، قد اجمعت على واقعة كربلاء الا النادر منهم.

هذه الحقيقة متى انكشفت للناس؟ بعد وقوع الواقعة، لأن كل فرد من افراد الكوفة. عدد افراد الكوفة، كم كان؟ كانوا مئات الالوف، لأن الكوفة كانت من كبرى عواصم العالم الاسلامي في وقتها. هؤلاء المئات من الألوف، كل واحد منهم، فكر انه هو لو كان هؤلاء يسكت وخرج لنصرة الحسين، ما كان الحسين قُتل؛ لأن المجموعة تتكون من الافراد، فكما ان ثلاثين شخصًا في ليلة التحقوا في صفوف الحسين، لو كان الف شخص او اربعة آلاف شخص او خمسة آلاف شخص يلتحقون في صفوف الحسين لما كان ما كان.

فإذًا، الحسين (ع) في الحقيقة اخذ المجهر في دمه، اي حينما قتل اخذ المجهر فوضعه امام اعين الناس، ونبههم لمسؤوليتهم ولنتائج اعمالهم، بأنه انتم اليوم تسكتون، او تأخذون درهمًا، او تجلسون في بيوتكم، او كل واحد منكم يأخذ ابنه الخارج الى الشارع ويعيده الى البيت خوفًا من القتل ولكن ما هي نتيجة هذه الاعمال؟ نتيجة هذه الاعمال، في نهاية الطريق، قتل الحسين (ع). الحسين قُتِل، وقَتْل الحسين ليست واقعة بنت ساعتها، وانما هي نتيجة حتمية من سلسلة احداث بدأت بعد رسول الله، من سلسلة احداث ظهرت منذ ان حكم معاوية وادت الى مقتل الحسين بن علي. الانحراف في اول الخط كان انحرافًا جزئيًا، كان سكوتًا، او تخوفًا، او اخذ دينار، او اخذ درهم، او اخذ عشر او خمسة عشر ليرة، او اخذ متر من الارض. الجريمة بدأت هكذا، ولكن انطلقت فأسرعت وتكاملت وتجسدت وكثر الانحراف حتى بلغ الامر الى درجة قتل ابن بنت رسول الله، بهذا الشكل المفجع ولا من متكلم، والكل ساكت.

فإذًا، الحسين كشف الحقيقة. يعني قال لهم ايها الظالم لحق الناس قيد شعرة، تسير على طريق، سوف تصل ان تظلم الناس في حياتهم، في اعراضهم ودينهم. ايها المنحرف عن الطريق خطوة، سوف تصل الى مكان ترضى بقتل ابن بنت رسول الله او تساهم في قتله. ايها الشخص الذي لا تبالي بما جرى امامك وتسكت عن الحق المضيع امامك، انت امامك مستقبل تهتك فيه الاعراض والحرمات وتباح الدماء وانت ترضى او تنفذ وتسكت. ليس هناك من تفاوت ولا فرق ولا طريق معتدل. اما طريق الهداية واما طرق الضلال وما اكثرها. فالذي يجلس في مجلس الحسين يفكر لحظة: لعل الكثير منا يقول يا ليتنا كنا معك فنفوز فوزًا عظيمًا. كثيرون منا يقولون انه لو كنا نحن في كربلاء لكنا ننصر الحسين (ع) من دون شك. أليس حضوركم في هذا المكان هذا معناه بأننا لو كنا في كربلاء لكنا ننصر الحسين؟ ولكن، بينك وبين الله، اذا اردت ان تحكم على الجماعة التي قتلت الحسين يجب ان تنظر الى الظروف الموضوعية التي احاطت بالجماعة، واوصلتهما الى هذه الدرجات. ذنب الامة في قتل الحسين ليس فقط في ان يخرج احدهم الى كربلاء فيرمي سهمًا او يستعمل سيفًا ويضرب بالحجارة او يشترك في قتله. لا، ليس هؤلاء فقط هم المذنبون والمسؤولون. الام التي كانت في الكوفة او في الطريق ووجدت وسمعت بأن الحسين خرج، ثم فتحت الباب وقالت لابنها ادخل في البيت حتى لا تقع في الفتنة، فالفتنة آتية فيجب عليك ان تحذر، هذه الام شريكة في قتل الحسين.

هذه الحقيقة ليست واضحة بعد. قتل الحسين ، كيف كان ممكنًا ؟ انتم الآن بكل سهولة تقولون لو كان الحسين امامنا ندافع عنه. ما كنا نسمح للناس ان يقتلوه. لماذا لم يقولوا هذه الكلمة ايام الحسين؟ ألم يكن واجبًا عليهم ان يحولوا دون استشهاد الحسين؟

هؤلاء النفر القليل من صحابة الحسين الذين حاربوا قبل الحسين، كل واحد منهم كان يعرف انه سوف ينتهي ويموت ويبقى الحسين بين يدي الاعداء. كلهم كانوا يعرفون، لكن لماذا كانوا يتسابقون على جهاد الانفس؟ لأي سبب؟ هؤلاء كان لهم امل واحد بأن يتأخر موت الحسين واستشهاد الحسين خمس دقائق، اي كانوا ينقذون خمس دقائق من حياة الحسين بكل وجودهم وحياتهم. لماذا؟ لأنهم كانوا يعتقدون انه لعل قتل هؤلاء، لعل استشهاد هؤلاء يؤثر في تلك القلوب القاسية، فيرجع قسم من اصحابها عن غيهم ويصبح الحسين منتصرًا في المعركة.

كانوا يفكرون بهذا الشكل او بأي شكل آخر. على كل… كل واحد كان يؤدي دوره في هذا الطريق. ونحن حينما ننظر الى هذه اللوحة، الى هذا السراج المنير الذي اضاءه الحسين امام امته في عصره وفي كل العصور، ننتبه الى هذه الحقيقة؛ لأن الحق صغيره حق وكبيره حق، الظلم ظلم صغيره وكبيره، الطريق المنحرف منحرف اوله وآخره، كل هؤلاء امتداد لشيء واحد. الحق الصغير ينمو ويكبر. ضرب الكف على وجه اليتيم يؤدي الى قتل الحسين؛ اخذ ذرة من مال حرام يؤدي الى موقف “ابن سعد” بأخذ “ملك الري” والخروج لقتل الحسين؛ هتك حرمة امرأة محترمة باللسان وبالكلام وبالنظر يؤدي الى هتك الحرمات وسبي النساء.

هذه الحقيقة التي تنكشف امامنا ايها الاخوة لا يمكن ان الانسان عندما يبدأ الانحراف، تراجعه يكون اسهل من اول يوم، اليوم الاول اسهل من اليوم الثاني، اليوم الثاني اسهل من اليوم الثالث وهكذا…

وفي هذه المناسبة احب ان ارجع الى عصرنا هذا، لأننا سمعنا كلمات حول ما جرى في معركتنا الاخيرة مع اليهود لأقول هذه الكلمة. حسب ما افهم، ان واقعة الخامس من حزيران ما كانت نكسة لا كانت هزيمة ولا كانت تضافر القوى ولا كانت خيانة. واقعة خمسة حزيران كانت انكشافًا لواقع هذه الامة. تبين واقعنا، خنّا، خان واحد منا، استعنا بالاجنبي، استعان واحد منا، هربنا، هرب واحد منا، اختلفنا، اختلفت جماعة منا. لم نكن متعودين على الحرب، نحن لم نكن معتادين. لم يفرض احد علينا شيئًا. نحن السبب الاصيل، الاول والاخير لهذه الواقعة، هو السير الطبيعي لحياتنا العادية. الآن انظر الى نفسك يا اخي وانظر الى حياتك العادية، اجعل نفسك مكان الذين كانوا في المعركة. ألا تجد ان هذا السير الذي نحن نمشيه عليه، هو بطبيعته، لو حصلت معركة ثانية، لظهرت نفس النتائج؟

نحن على اي اساس نعتقد اننا تراجعنا؟ نحن على اي اساس نعتقد اننا خدعنا؟ من المخدوع الا نحن؟ من الخائن الا نحن؟ الا ابناء هذه الامة؟ لماذا نحمّل المسؤولية للآخرين؟ لماذا نحمّل المسؤولية للزعماء والقادة؟

كل فرد من افراد هذه الامة يستأهل المجد والعز، كل فرد من ابناء هذه الامة يستحق ان يكون منتصرًا في هذا العصر، عصر العلم والتضحية والاخلاص. نحن سرنا من الاساس مثل المنحرف الذي يبدأ خطوة منحرفة ثم يستمر في الخط فيبتعد، في هذه الاثناء وقعت واقعة فانكشفنا. هذا واقعنا، فلا يمكن ان نصلح الا اذا غيرنا واقعنا ﴿ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ [الرعد، 11].

ايها الاخوة، انظروا في الامور، صغيرها قبل كبيرها، انظروا الى مواقفي ومواقفكم في الامور المحلية قبل الامور الاقليمية، وفي الامور الاقليمية قبل الامور العامة والدولية. انظر الى نفسك في قريتك، في بيتك، في حيك، في بلدك، في وطنك، ما هو موقفك؟ موقفك موقف ثانٍ موقف التضحية؟ هل لا تتدخل المصالح الخاصة الصغيرة؟ هل… اضم نفسي اليكم واعتذر منكم واكلمكم باسم الحسين حتى لا تزعلوا؟ هل نحن لا نفضل المصالح الصغيرة ونلعب بهذه المصالح الصغيرة مع مقدرات الامة والمواقف العامة؟ فإذًا، ما دمنا نحن في الخط الاول، وفي الموقف الصغير الداخلي هذا موقفنا، فكيف موقفنا في الامور العامة؟

المواقف العامة امتداد لهذه المواقف الخاصة، والانحراف الكلي سير للانحراف الجزئي، وقتل الحسين امتداد لضرب كف لأحد الناس. كله مثل بعض. الباطل باطل والحق حق. متى ننتصر على اسرائيل؟ وعلى صانع اسرائيل؟ حينما يكون ولينا الله. حينما نحن، كل واحد منا لا يقول انا، لا يقول رئيس. لا، كل فرد من افرادنا، كل واحد من افراد الامة اذا كان بالفعل هو اسمى من غاياته الخاصة ومنافعه الجزئية الصغيرة. يعني اذا تمكنت، انك في محاربتك مع نفسك، ومع مصالحك، في موقف صغير، من ان تنتصر على نفسك، وعلى شهواتك وعلى الشيطان، فثق بأنك تنتصر في معركتك الكبرى على جنود الشيطان في هذه الايام، وفي هذا العصر، هذا وذاك شيء واحد.

اذًا، يجب ان نبدأ من جديد، يجب ان نكون انفسنا من جديد. بينك وبين الله، اي شيء في حياتنا ينجو من مصالحنا الخاصة، في اي شيء من حياتنا لا ندخل منافعنا الخاصة: في سلامنا وكلامنا وبيعنا وشرائنا، في زياراتنا، في كل شيء نحن ننظر الى المصلحة الخاصة، يعني ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه واضله الله على علم﴾ [الجاثية، 23] طبعًا عندما يكون الثمن الاكبر، هو انا، هو كل شخص، ثمنه يكون شخصه ومصالحه هي التي تسيره في كل زمان وكل مكان وكل موقف، لا خير في هذه الامة.

كيف سنتمكن ان نغير الحقيقة، واقع الامة؟ حينما نغير انفسنا، حينما نجعل الهنا الله نفسه، لا هوانا، اذا اصطدمت مصلحة اخي مع الحق، افضل الحق عليه. اذا اصطدمت مصلحتي مع الحق، افضل الحق على نفسي. واذا اصطدمت مصلحتنا مع مصلحة غيرنا، وكان الحق معهم نسلك سبيل الحق، ونصبح جزءًا من بحار الحق. هذا هو السبيل.

فإذًا، على هذا الاساس، نحن بإمكاننا ان نحاسب انفسنا من اليوم في كل مواقفنا، في كل اعمالنا، في بيعنا وشرائنا، في اتصالاتنا مع الناس، تصور هذا الواقع الذي نحن نعيش فيه؛ انا اذا اختلفت مع اخي اختلف معه، وإن اختلفنا مع شخص ابعد درجة، تتحكم علاقة الاخوة اوالقرابة التي نفضلها على الحق، واذا اختلفنا نحن وابناء عمنا مع الآخرين العائلية تتحكم في الموضوع، وهكذا وهكذا. التوالد والانا تتحكم فينا في كل مجال وفي كل ميدان هذا الخط نهايته الى قتل الحسين، نهايته الى هذه الوقائع واشد واشد، وألا تعتقد انه سوف يصير اشد؟ ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ايدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ [الروم، 41]. هذا الذي ذقناه بعض الذي علمنا، واذا ما رجعنا نذوق اكثر واكثر. اذا ما اصلحنا شأننا على من نعتمد؟ على من تعتمد ايها الانسان؟ “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”. كل انسان في حقله، في بيته، بين زبائنه، بين اصدقائه، بين رفقائه، بين جماعته، في مدرسته، في مكانه، في مؤسسته، اذا كان طريقه الى الله ومن الله فهذا معناه تغيير، وإلا الى اين وعلى اي اساس؟

نعتمد على السلاح؟ ذكرت في عدة مناسبات هذه الكلمة واريد ان اذكر في هذا اليوم من عاشوراء: مئة مليون شخص، مئات الالوف من قطع الاسلحة، عشرات من القادة العسكريين وغير العسكريين هذا واقعهم. خمسمئة او ستمئة شخص فدائي كيف حثوا هذه البلاد وهذه المناطق. كم شخص؟

كل واحد منهم يعادل مئة مليون، كما سمعتم ليس الحق بالعدد. شخص واحد، كل واحد منا ليس اقل منهم، كل فرد منا ليس اقل منهم لا قوة ولا جسدًا ولا تفكيرًا ولا صحة، ولهذا نحن هنا، ومن منبر الحسين نحييهم ونتمنى لهم التوفيق وزيادة العدد والعدة والانتصار، اخذ الله بيدهم ووفقهم لهذا الخط الذي هو الخط الحسيني.

فإذًا، البدء يجب ان يكون منا ونحن لسنا فقراء ولسنا صغارًا. كل واحد منا عبيد كما سمعتم اذا كنا عبيدًا لشهواتنا، ومن ترك الشهوات كان حرًا. واما الحر هو الذي يتحرر من نفسه. نعم اذا نحن كنا عبيدًا لمطامعنا وشهواتنا فمئات والوف منا، عبيد يخضعون لأمرٍ… امر الشيطان. واذا كنا احرارًا، كل واحد منا يصبح الحسين الصغير في حياته ويتمكن ان يقف في وجه دولة بني امية بقضهم وقضيضهم، بجيشهم وسلاحهم ومالهم وكل شيء.

فلنبدأ من انفسنا ايها الاخوة، نحن في هذا اليوم حينما نرى في ضوء مصباح الحسين الحقيقة انكشفت، وطريق الحق ومصير اصحاب الحق، وطريق الباطل ومسيرة قافلة الباطل والظالمين، انكشفت امامنا بأن الانسان المنحرف يصل الى مقام ابن سعد الذي يجد امره مخيرًا بين امرين بين قتل الحسين وملك الري.

هكذا مصير الحق، مصير الاصحاب الطيبين الذين بذلوا كل مهجهم لتأخير الموت عن الحسين دقائق. وليس من الصعب ايها الاخوة الالتحاق بالصف الحسيني. في هذا اليوم بالذات التحقت جماعة بالحسين، كانوا من اعداء الحسين، الحر (ع) ورضوان الله عليه، كما سمعتم، الى صبيحة هذا اليوم كان من اعداء الحسين. اكثر من هذا، كان من اشد انواع اعداء الحسين، هو الذي اوقف الحسين. ولو ان “الحر” لم يوقف الحسين في الطريق لعله كان للحسين مصير آخر غير هذا المصير الذي لاقاه في هذا اليوم.

فالحر ليس رجلًا عاديًا كان. بل كان في قمة الضلال ونهاية المقام، ولكن في هذا اليوم عزم عزيمته الرجولية دفعة واحدة، قفز دفعة واحدة من نهاية الضلال الى صميم الحق فخرج وركض وقال: يا ابا عبد الله هل لي من توبة؟

ونحن في هذا اليوم يا ابا عبدالله نقول لك هل لنا من توبة؟ في هذا اليوم نحن نخاطبه وبإمكاننا ان نتوب وهو يقبلنا. هو حتمًا، لا يرفض طلبنا اذا كنا نوينا بالفعل على توبتنا وعودتنا، وتوبتنا تظهر في الصغيرة والكبيرة من تصرفاتنا.

انت تعرف ان الحسين قُتِلَ لأجل اهداف، اذا قُتِلَ هو، فأهدافه قائمة بيننا وموجودة بيننا. اهدافه الحق، الدين، اهدافه الصلاة، اهدافه الاصلاح، اهدافه معاونة الضعفاء، اهدافه نصرة المظلومين، اهدافه المطالبة بالحق والسعي وراء الحق، اهدافه معروفة. فالحسين سلام الله عليه، اليوم وبعد الف وثلاثمئة سنة اضاء مصباحه الذي اضيء بدمائه، جيشه كان من دمه. نزاول اعمالنا بدليل هذا اللقاء، ماذا يجمعنا في هذه الساعة، في هذه المدة غير الحسين (ع)؟

فإذًا، نحن جئنا الى هذا النادي على ضوء من مصباح الحسين حتى نراه في ذهننا وفي عقولنا وفي قلوبنا، ونبايعه، ونتوب الى الله عنده. ان نعود في هذا اليوم ونبدأ صفحة جديدة في حياتنا، حياة كريمة، تتناسب معنا ونتراجع كما تراجع الحر، وزهير بن القين وغيرهما اشخاص آخرين ايضًا. فنحن بكل سهولة ايها الاخوان بإمكاننا ان نرجع الى الحسين.

ايها المذنبون، واخاطب نفسي قبلكم لا تيأسوا من رحمة الله. لكم مجال من هذا المنبر، من هذا المكان، من هذه الساعة المباركة، لكل واحد منكم مجال ان ترجعوا، لكل واحد منكم مجال ان تنصروا الحسين. اكرر كل عاشوراء، لو اكتفينا بالبكاء والحزن، البكاء والحزن عمل الاعصاب، عمل الجسد، لا يغني عن الحق شيئًا. اول من بكى “عمر بن سعد”، خرجت زينب (س) ووضعت يديها على رأسها ونادت: يا ابن سعد أيقتل ابو عبد الله وانت تنظر اليه؟ كانت تتعجب من هذا. طبعًا، هذا الرجل تأثر وبكى ثم ادار وجهه وقال: اجهزوا على الحسين؛ فإن اكتفينا بالبكاء والحزن فقط فما نصرنا الحسين.

لا اريد ان اقول نحن ننصر اعداء الحسين، نحن في مآسينا، نحن في مخازينا، نحن في سكوتنا، نحن في تخاذلنا، نحن في تركنا لتربية اولادنا نؤيد اعداء الحسين؛ بل كما سمعتم، هناك حق وباطل ولا ثالث. فإذا بكينا وحزنا وخرجنا من هذا النادي دون اثر فقد كنّا، لا سمح الله، من اصحاب عمر بن سعد، اما اذا في هذه الساعة وفي هذه اللحظة عزمنا على نصرة واحدة، لا اقول لك ولنفسي اننا ننتقل دفعة واحدة من اقصى الضلال الى اقصى الهداية، ولا اقول ان نعمل كما عمل “الحر” (س)، لأنه اذا تمكنا فهذه سعادة كبرى، ولكن اقول اذا لم نتمكن ان نكون دفعة واحدة مثل “الحر” فلننصر الحسين في هدف واحد. نأتي بيد الحسين وجيش الحسين، سلاح واحد، هيىء بندقية واحدة، هيىء سكينة واحدة، زوِّد جيش الحسين بأي وسيلة وليس فقط بالبندقية والسكينة، بل بشيء من هذا النوع، اي نصرة للحق. اي خلاف وجدت فأصلحت، اي منكر رأيت فأنكرت، اي معروف وجدت فشجعت، اي مظلوم وجدت فنصرت، اي ظالم وجدت فهديت، اي حق مضيع رأيت فأيدت، اي صلاة متروكة رأيت فأقمت، وهكذا واحدًا واحدًا.

اذا انت في هذه الساعة نويت القيام بعمل واحد، فخذ من يوم عاشوراء مبدأ وثق بأنك اذا عزمت اليوم على عمل واحد مهما كان صغيرًا… اخطُ خطوة واحدة، لأننا نحن مع الاسف في اقصى الضلال، فإذا خطونا خطوة واحدة، اعتدلنا ذرة واحدة نحو الحق. فثق بأنك ستصل الى الحق كذلك نصل الى الحق ببركة الحسين لأنه مصباح الهدى وسفينة النجاة.

وانا لا اشك بأن هذه العاطفة الكبيرة التي نعبر عنها في هذا اللقاء وبهذا البكاء والدموع التي تدل على عاطفتنا الصادقة لا نترك الحسين بين اعدائه وحده، لا نترك دين الحسين بين الاعداء وحده؛ ننصر الحسين وننصر دين الحسين بإذن الله ولو بخطوة واحدة. لا احب ان اترك لأن التفاؤل كبير والشعور بالواجب كبير، ولكن اترك المجال لكي نعتبر بالتفكير، في حياة الحسين وبالشعور بواجبنا تجاه الحسين واهداف الحسين. والله سبحانه وتعالى من وراء القصد والسلام عليكم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • يراجع مسيرة الإمام السيد موسى الصدر ج11ص193
طباعة